قصص انتحر فيها العفاف1
قصص انتحر فيها العفاف1
وأسلوب القصص أسلوب تربوي جاء في القرآن الكريم، وجاءت به السنة المطهرة، والله يقول في القرآن: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ﴾[يوسف:111].. ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾[يوسف:3]، وما تضمنته الأحاديث من القصص هو نوع من التربية من أجل يتخذ الإنسان حيطة، ويأخذ عبرة مما حدث، ولا يكون هو للناس عبرة، وهذه القصة التي سوف نقرأها في هذه المحاضرة من عالم الواقع، وهي أحداث مؤلمة وقعت لأفراد من الأمة تساهلوا وفرطوا حتى وقعوا وندموا ولكن حين لا ينفع الندم، ونحن نأخذ منها عظة حتى لا نقع فيما وقعوا فيه، وحتى لا نندم ولكن بعد فوات الأوان .
القصة الأولى: يقول أحدهم: كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه، وكان يروق لي منظره، ويؤنسني محضره، قضيت في صحبته عهداً طويلاً، ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئاً حتى سافرت، وتراسلنا حيناً، ثم انقطعت بيننا العلاقات، ورجعت وجعلت أكبر همي أن أراه، لما بيني وبينه من صلة، وطلبته في جميع المواطن التي كنت ألقاه فيها فلم أجد له أثراً، وذهبت إلى منزله فحدثني جيرانه أنه نقل منذ عهد بعيد .
ووقفت بين اليأس والرجاء بغالب ظني أنني لم أراه بعد ذلك اليوم، وأنني قد فقدت ذلك الرجل، وبينما أنا عائد إلى منزلي في ليلة من الليالي دفعني جهلي في الطريق في الظلام إلى سلوك طريق موحش مهجور، يخيل للناظر فيه أنه مسكن للجان، إذ لا وجود للإنس فيه، فشعرت كأني أخوض في بحر، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، فما توسطت الشارع حتى سمعت في منزل من تلك المنازل أنة تتردد في جوف الليل، ثم تلتها أختها، فأثر في نفسي هذا الأنين، فقلت: يا للعجب! كم يكتم هذا الليل من أسراره، وكنت قد عاهدت الله أن لا أرى حزيناً إلا وساعدته، فتلمست الطريق إلى ذلك المنزل، وطرقت الباب طرقاً خفيفاً، ثم طرقته طرقاً أكثر قوة، وإذا بالباب يفتح من قبل فتاة صغيرة، فتأملتها وإذا في يدها مصباح، وعليها ثياب ممزقة، وقلت لها: هل عندكم مريض؟ فزفرة زفرة كادت تقطع نياط أنفها قالت: نعم أفزع فإن أبي يحتضر، والدها ثم مشت أمامي، وتبعتها حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير، ودخلتها فخيل إليّ أنني أدخل إلى قبر وليس إلى غرفة، وإلى ميت وليس إلى مريض، ودنوت منه حتى صرت بجانبه، فإذا قفص من العظام يتردد فيه نفس من الهواء، ووضعت يدي على جبينه، ففتح عينه وأطال النظر في وجهي، ثم فتح شفتيه، وقال بصوت خافض: أحمد الله لقد وجدتك يا صديقي، فشعرت كأن قلبي يتمزق، وعلمت أني قد عثرت على ضالتي التي كنت أنشدها، وإذا به رفيقي الذي كنت أعرفه، لكنني لم أعرفه من مرضه وشدة هزاله، وقلت له: قصّ عليّ قصتك، أخبرني ما خبرك؟ فقال لي: اسمع مني، ثم ساق القصة، قال: منذ سنين كنت أسكن أنا ووالدتي بيتاً ويسكن بجوارنا رجل من أهل الثراء، وكان قصره يضم بين جنباته فتاة جميلة أنم بنفسي من الوجد والشوق ما لم أستطع معه صبراً، وما زلت أتابعها وأعالج أمرها حتى أوقعتها في شباكها، وأتى في قلبها ما أتى إلى قلبي، وعثرت عليها في لحظة من الغفلة عن الله، بعد أن وعدتها بالزواج، فاستجابت لي، وأسلست قيادها، وسلبتها شرفها في يوم من الأيام، وما هي إلا أيام حتى عرفت أن في بطنها جنيناً يضطرب فأسقط في يدي، وطفقت أبتعد عنها، وأقطع حبل ودها، وهجرت ذلك المنزل الذي كنت أزورها فيه، ولم يعد يهمني من أمرها شيء .
ومرت على الحادثة أعوام، وفي ذات يوم حمل إليّ البريد رسالة مددتها وقرأت ما بداخلها، وإذا بها تكتب إليّ هذه البنت تقول: لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهداً دارساً، أو حباً قديماً ما كتبت والله سطراً، ولا خططت حرفاً؛ لأنني أعتقد أن رجلاً مثلك رجل غادر، وود مثلك وداً كاذب يستحق أن لا أحفل به، وآسف على أن أطلب تجديدك، إنك عرفت كيف تتركني وبين جنبي ناراً تضطرب وجنيناً يضطرب تلك للأسف على الماضي، وذاك للخوف على المستقبل، فلم تبالي بي وفررت مني حتى لا تحمل نفسك مئونة النظر إلى شقاء وعذاب أنت سببه، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت الذي أرسلتها، فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف؟!! لا والله، بل لا أستطيع أن أتصور مجرد أنك إنسان، إنك ذئب بشري؛ لأنك ما تركت خلة من الخلال في نفوس العجماوات وأوابد الوحوش إلا جمعتها في نفسك، خنتني إذ عاهدتني على الزواج فأخلفت وعدك، ونظرت في قلبك وقلت: كيف تتزوج من امرأة مجرمة وما هذه الجريمة إلا صنعة يدك، وجريرة نفسك، ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دافعتك جهدي حتى عييت بأمرك، وسقطت بين يديك سقوط الطفل الصغير بين يدي الجبار الكبير، تركت عفتي، فأصبحت ذليلة النفس حزينة القلب، أسست للحياة واستبطؤ الأجل، وأي لذة لعيش امرأة لا تستطيع أن تكون في مستقبل أيامها زوجة لرجل، ولا أماً لولد، بل لا أستطيع أن أعيش في مجتمع من هذه المجتمعات إلا وأنا خافضة الرأس، مسدلة الجسم، واضعة الخد على الكف، ترتعد أوصالي وتذوب أحشائي خوفاً من عبث العابثين، وتهكم المتهكمين، سلبتني راحتي، قضيت على حياتي، قتلتني وقتلت شرفي وعرضي، بل قتلت أمي وأبي، فقد مات أبي وأمي وما أظن موتهما إلا حزناً عليّ لفقدي، لقد قتلتني لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك بلغ من جسمي ونفسي وأصبحت في فراش الموت كالذبابة تحترق، تتلاشى نفساً بعد نفس، هربت من بيت والدي، إذ لم يعد لي قدرة على مواجهة بيتي وأمي وأبي، وذهبت إلى منزل مهجور وعشت فيه عيش الهوان، وتبت إلى الله، وإني لأرجو أن يكون الله قد قبل توبتي، واستجاب دعائي، وينقلني من دار الموت والموت والشقاء إلى دار الحياة والهناء، و ها أنا ذا أموت، وأنت كاذب خادع، ولص قاتل، ولا أظن أن الله تاركك دون أن يأخذ لي بحقي منك .
ما كتبت والله لأجدد بك عهداً، أو أخطب لك وداً، فأنت أهون عليّ من ذلك، إنني قد أصبحت على باب القبر، وفي موقف أودع فيه الحياة، سعادتها وشقاؤها فلا أمل لي في ودها، ولا متسع لي في عهدها، وإنما كتبت لك لأن عندي وديعة لك، هي ابنتك فإن كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك أبقى لك منها رحمة الأبوة فاقبلها، وخذها إليك حتى لا يدركها من الشقاء مثلما أدرك من أمها من قبل، طبعاً هي ماتت وتركت البنت في هذا المكان المهجور، وليس لها عائل .
يقول هذا الرجل: ما أتممت قراءة الكتاب حتى نظرت وأنا أقرأ كتابه ورأيت مدامعه تنحدر من جفنيه، ثم قال: إنني والله ما قرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة تتمشى في جميع أوصالي، وخيّل إليّ أن صدري يحاول أن ينشق عن قلبي، فأسرعت إلى منزلها الذي تراني فيه الآن، هذا البيت الخرب هذا، ورأيتها في هذه الغرفة وهي تنام على هذا السرير جثة هامدة لا حراك بها، ورأيت هذه الطفلة التي تراها وهي في العاشرة من عمرها تبكي حزناً على أمها، وتمثلت لي جرائمي في غشيتي كأنما هي وحوش ضارية، هذا ينشب أظفاره، وذاك يحدد أنيابه، فما أفقت حتى عاهدت الله أن لا أبرح هذه الغرفة التي سميتها غرفة الأحزان حتى أعيش عيشة تلك الفتاة، وأموت كما ماتت، وها أنا ذا أموت راضياً اليوم مسروراً، وقد تبت إلى الله، وثقتي في ربي أن الله عز وجل لا يخلف ما وعدني، ولعل ما قاسيت من العذاب والعناء وكابدت من الألم والشقاء كفارة لخطيئتي .
هذه قصته أيها الإخوة! يقول: يا أقوياء القلوب من الرجال رفقاً بضعاف النفوس من النساء، إنكم لا تعلمون حين تخدعوهن في شرفهن أي قلب تفجعون؟ وأي دم تسفكون؟ وأي ضحية تفترسون؟ وما النتائج المرة التي تتركب على فعلكم الشنيع، ويا معشر النساء والبنات! تنبهوا وانتبهوا ولا تنخدعوا بالشعارات الكاذبة والعبارات المعسولة التي تلوقها الذئاب البشرية المفترسة، وتذكروا عذاب ربكم وقيمة أعراضكم، وأعراض آبائكم وإخوانكم، وأسرتكم وقبيلتكم، تذكروا الفضيحة في الدنيا، والعار والدمار والهوان في الآخرة .
هذه القصة من واقع الحياة، ولكم أن تتصوروا نتائجها أيها الإخوة المرة على هذه الفتاة، وعلى أسرتها من أم وأب، حين فقدوا ابنتهم ولم يعرفوا أين ذهبت، وعلى أيضاً هذا الفتى حين فقد حياته، وكان بالإمكان أن يسعد لو أنه سار في الطريق المشروع، وخطب هذه الفتاة من أهلها، وتزوج بها أو بغيرها، وعاش حياة أسرية كاملة يعبد فيها ربه، ويريح فيها قلبه، ويسعد فيها في دنياه وفي آخرته .
محاضرة بعنوان (عندما ينتحر العفاف)
للشيخ: سعيد بن مسفر